الآلوسي
66
تفسير الآلوسي
رشد المفتتوح ؟ قيل : المعنى راجع إلى أنه مرشد لأنه إذا رشد أرشد لأن الإرشاد من الرشد فهو من باب الاكتفاء بذكر السبب عن المسبب انتهى ، وقيل : أجيز ذلك لأن المبالغة في الرشد تكون بالإرشاد كما قرروا في قيوم وطهور . وقال بعض المحققين : إن رشد بمعنى اهتدى فالمعنى ما أهديكم إلا سبيل من اهتدى وعظم رشده فلا حاجة إلى ما سمعت ، وإنما يحتاج إليه لو وجب كون المعنى ما أهديكم إلا سبيل من كثر ارشاده ومن أين وجب ذلك ؟ وجوز كون فعال في هذه القراءة للنسبة كما قالوا : عواج لبياع العاج وبتات لبياع البت وهو كساء غليظ ، وقيل : طيلسان من خز أو صوف ، وأنكر بعضهم كون القراءة على صيغة فعال في كلام فرعون وإنما هي في قول الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد ، فإن معاذ بن جبل كان كما قال أبو الفضل الرازي . وأبو حاتم يفسر * ( سبيل الرشاد ) * على قراءته بسبيل الله تعالى وهو لا يتسنى في كلام فرعون كما لا يخفى ، وستعلم إن شاء الله تعالى ان معاذاً قرأ كذلك في قول المؤمن فلعل التفسير بسبيل الله عز وجل كان فيه دون كلام فرعون والله تعالى أعلم . * ( وَقَالَ الَّذِىءَامَنَ ياقَوْمِ إِنِّىأَخَافُ عَلَيْكُمْ مِّثْلَ يَوْمِ الاَْحْزَابِ ) * . * ( وَقَالَ الَّذين ءَامَنَ ) * الجمهور على أنه الرجل المؤمن الكاتم إيمانه القائل : * ( أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله ) * ( غافر : 28 ) قوى الله تعالى نفسه وثبت قلبه فلم يهب فرعون ولم يعبأ به فأتى بنوع آخر من التهديد والتخويف فقال : * ( يَا قَوْم إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مثْلَ يَوْم الأَحْزَاب ) * إلى آخره ، وقالت فرقة : كلام ذلك المؤمن قد تم ، والمراد بالذي آمن هنا هو موسى نفسه عليه السلام ، واحتجت بقوة كلامه ، وعلى الأول المعول أي قال ناصحاً لقومه : يا قوم إني أخاف عليكم في تكذيب موسى عليه السلام والتعرض له بالسوء إن يحل بكم مثل ما حل الذين تحزبوا على أنبيائهم من الأمم الماضية ، واليوم واحد الأيام بمعنى الوقائع وقد كثر استعمالها بذلك حتى صار حقيقة عرفية أو بمعناها المعروف لغة ، والكلام عليه على حذف مضاف أي مثل حادث يوم الأحزاب . وأياً ما كان فالظاهر جمع اليوم لكن جمع الأحزاب المضاف هو إليه مع التفسير بما بعد أغنى عن جمعه ، والمعنى عليه ورجح الافراد بالخفة والاختصار ، وقال الزجاج : المراد يوم حزب حزب بمعنى أن جمع حزب مراد به شمول أفراده على طريق البدل وهو تأويل في الثاني وما تقدم أظهر . * ( مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعِبَادِ ) * . * ( مثْلَ دَأْب قَوْم نُوح وَعَاد وَثَمُودَ ) * أي مثل جزاء دأبهم أي عادتهم الدائمة من الكفر وإيذاء الرسل ، وقدر المضاف لأن المخوف في الحقيقة جزاء العمل لا هو ، وجاء هذا من نصب * ( مثل ) * الثاني على أنه عطف بيان لمثل الأول لأن آخر ما تناولته الإضافة قوم نوح ، ولو قلت : أهلك الله الأحزاب قوم نوح . وعاد . وثمود لم يكن إلا عطف بيان لإضافة قوم إلى أعلام فسرى ذلك الحكم إلى أول ما تناولته الإضافة . وقال ابن عطية : هو بدل من * ( مثل ) * الأول ، والاحتياج إلى تقدير المضاف على حاله * ( وَالَّذينَ منْ بَعْدهمْ ) * كقوم لوط * ( وَمَا اللَّهُ يُريدُ ظُلْماً للْعبَاد ) * أي فما فعل سبحانه بهؤلاء الأحزاب لم يكن ظلماً بل كان عدلاً وقسطاً لأنه عز وجل أرسل إليهم رسلهم بالبينات فكذبوهم وتحزبوا عليهم فاقتضى ذلك اهلاكهم ، وهذا أبلغ من قوله تعالى : * ( وما ربك بظلام للعبيد ) * ( فصلت : 46 ) من حيث جعل المنفى فيه إرادة الظلم لأن من كان عن إرادة